منوعات

لماذا لم أعد أدون كالسابق؟

عنوان مباشر أحاول فيه أن ألوم نفسي بصوت عالي، أو بشكل أصح، بكتابة تدوينة أبرر بها لذاتي السبب.

في الحقيقة هذا السؤال ظل يراودني من شهر تقريباً، حيث استيقظ صباحاً، أرفع هذا الكتاب المثير أو ذاك وأقرأ صفحتين منه ثم أتوقف للحظة ” أتذكر اني كنت أريد كتابة تدوينة عن هذا الموضوع” فأترك الكتاب والفكرة والتدوينة يتعفنون في غياهب النسيان لفترة طويلة غير محددة ( حتى الآن فعلت هذه الجريمة مع أربعة كتب قابعة بحزن فوق مكتبي)

أما بالنسبة للتجارب، فكلما تحمست وفتحت صفحة تدوين جديدة وقفت برعب أمام انعكاس وجهي في الشاشة وقررت بأني ” أتفه وأسوأ من أن أكتب نصيحة أو تجربة لأحد سكان الإنترنت، سيضحكون على سذاجتي”. ثم أغلق المتصفح مع كلمة المسوفين المفضلة ( أعود لها لاحقاً )

أما مسلسلات الأنمي والمانجا التي لايكاد يمو اسبوع دون مشاهدة احدها، فببساطة توقفت عن التفكير أثناء المشاهدة لم أعد أهتم بالإستمتاع بالقصة وتحليل الشخصيات ودوافعها وتركيب الأحداث كما في السابق، بل اراها تتدافع كصور ملونة وأصوات بلغة غريبة لتمتعني لعدة دقائق ثم أغلق المتصفح، هكذا ببساطة غريبة.

الأمر أكبر من ” ملل ” الكتابة، أو الرتابة القاتلة، بل أصبحت بشكل مستمر أعيش في دوامة مستمرة من المعلومات والنصوص المكتوبة والمسموعة من الآخرين، حيث تشبعت بأصواتهم وحروفهم بشدة حتى ماعاد لصوتي وحرفي مكان ليتنفس به. الشبكات الإجتماعية التي أدمنها وامارسها بشكل مستمر ( أكثر مدة يمكن ان ابتعد بها عن تويتر هي 5 ساعات فقط وهو وقت النوم )

لماذا إذاً؟

لماذا أشعر بالضيق الشديد في كُل مرة أجد فيها نفسي مع ذاتها أمام شاشة بيضاء تنتظر حروفاً تملئها معنى؟ أو أشعر برعب يتلبس جوانحي كلما أمسكت بقطعة قماش لتنفيذ فكرة طرأت فجأة على بالي؟ أو حتى للتعبير عن أسلوب معين أعجبني فأجدني زهدت حتى بإمتاع عيني عن رؤيته ؟ وكأن روحي قد شاخت فجأة، أجدني أترفع عن متع الحياة صغيرها وكبيرها، أتذمر طوال الوقت، وأبكي فيما تبقي لي منها، لكن الجزء الأعظم؟ أقضيه في معية أفكار الآخرين وإنتاجاتهم، أقضيه في رسومات فلان وكتابات علان وإذهال الآخر في تطبيق العمل الذي تآكلت من الخوف قبل ممارسته. أكتشفت أن قضائي حياتي داخل الشبكات الإجتماعية أكل ذاتي الداخلية وأبدلها بعطاء معرفات وهمية وغير وهمية تتحدث عن نفسها وإهتماماتها، مما أدى لخواء داخلي، جدران صماء لا تعكس إلا مايرمى إليها من فتات الإنترنت المتقطع، وتستوحش حالما يخلو البهو من المارة.

 

أنا أعرف تماماً السبب، انغماسي بحياة الآخرين وآرائهم ورغباتهم هو السبب في خوائي – وبالتالي خواء مدونتي من المحتوى – إلا أنني أستثقل فكرة العيش دون الإنترنت، فلطالما كان الإنترنت منقذ حياتي الأول الحقيقي، وأجد في العيش بين جنباته عزاء كبير، وحرية أكبر، كما أن التفاعل اللحظي هنا وفي مدونة كرافتي أيضاً يمنحاني سعادة كبيرة وحماساً أكبر لأن أتمرن وأكسر قنينة الخوف العملاقة التي  تسكن بي، لأستعيد نشاطي، حقيقتي، لأرتب البهو الذي ظن نفسه خواء وصدى للآخرين. الحل الوحيد لذلك هو أن أتوقف عن أن أكون صدى يردد مايسمعه ويراه، أن أتوقف عن تحديث الفيسبوك، وقراء التغريدات الجديدة وملاحظة كل الحسابات التي تتابعني في انستغرام وتصيد أحسنها لمشاريع مستقبلية وفتح اليوتيوب لمعرفة التريند ومحاولة استقطاب متابعين نشطين يرفعون من قيمة عملي بالتالي الحصول على مردود مالي بشكل أسرع.

أن أتوقف عن الدوران بعجلة لامنتهية من مقارنة نفسي بكل هؤلاء البشر الذين يطلون على شاشة الإنترنت لجزء بسيط من يومهم ثم يعودو للحياة

 

 

الآن قد يقول قائل، لماذا تتحدثين عن نفسك هكذا ؟

 

الأمر ببساطة هو اني أكتشفت كيف يعمل عقلي تجاه الحياة منذ وقت طويل، فأنا من الأشخاص الذين كانوا يراقبون الآخرين دوماً بنظرات غريبة ليعرفوا الطريقة الصحيحة ” لللضحك” والأسلوب الأنفع ” للتعامل بحميمية مع الأصدقاء” وكيف “أرد على الآخرين في الموقف الفلاني”. حتى أتذكر في أيام طفولتي أنني كنت أضطرب أشد الإضطراب وأرتعب حين يحصل لي موقف لم أره من قبل أو أسمع به، كنت أرتبك وأخشب ويعلق مخي مفكراً بسرعة جنونية

– ماذا كان سيفعل الكبار أو اقراني من الأطفال في موقف كهذا؟

لم أكن أفكر أبداً بالذي أريده أنا، أو بماستكون ردة فعلي حين حدوث موقف جديد. بل كُنت أتمسك بسلطة الآخرين، كباراً أم مماثلين في العمر، كُنت أعيش صدى الشبكات الإجتماعية لكن بشكل إجتماعي وحقيقي. والآن بعد سنوات طويلة من الحياة، أدركت أن رغباتي، ردات فعلي، ومشاعري أهم بكثير، كثير جداً من آراء الكبار أو أقراني، وأهم من ردود الفعل المحسوبة بالمسطرة لإكتساب الرضى ونظرات التقدير المثالية. لكن إكتشاف متأخر كهذا، لأمر بسيط كالتعبير عن نفسي بشكل صادق أدى إلى عدم توازن داخلي يجعلني انجرف بلاهوادة تجاه أي موضوع جديد تغلب عليه رؤية شخص ما وآراءه، وأجدني أتبناه بقوة وأمانة حتى تتسلل رياح الهدوء لداخل بهو عقلي وتبدد صدى آراء هذا الشخص ومشاعره لأكتشف أن مشاعري وآرائي مختلفة تماماً عن ما ظننت أنها هي. لأكتشف بأني عدت لعادتي الطفولية لتبني الآخرين ككتيب معلومات عن الحياة وردود الأفعال اللازمة فيها. وأرى بصراحة، أن الشبكات الإجتماعية في الإنترنت تفعل الشيء ذاته لعقلي، على الرغم من أن التأثير أقل ثباتاً.

 

قد يكون الحل في أن أترك الشبكات الإجتماعية في الإنترنت لفترة طويلة حتى أجد الفراغ الداخلي وأصادقه من جديد، وقد يكون الحل في أن أُجبر نفسي على العودة للتدوين بشكل منظم وبمواضيع بسيطة، وقد يكون الحل أن أتوقف نهائياً عن التدوين.

مازلت لا أدري مالحل، لكن أظن أن السبب واضح بما فيه الكفاية.

ماذا عنك؟ مالذي يوقفك عن التدوين ؟

Advertisements

One thought on “لماذا لم أعد أدون كالسابق؟

  1. أتشبع بما حولي حتى أغرق به. جرعة مفرطة من الالهام شتت الافكار. كسل وخوف من مواجهة الداخل.ث م ينكتم صوتي الداخلي ويختفي اسلوبي الخاص.

    العيش بدون الانترنت في هذا العصر أشبه بالمستحيل. واظن ان من الحكمة عدم العيش بدونه. المشكلة ليست في وجود الانترنت وانما بتفاعلنا معه. يجب ان نحكُمَه بدل أن يحكُمَنا.

وما رأيك أنت؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s