52 تدوينه خلال 2012 · قصص وخواطر .. ||

طِفلُ يترقبُ القمر – الجزء الحادي عشر –

– اصطفو جميعاً !
تجمعت الأجساد الصغيرة بسرعة لتشكل صفوفاً متوازية بجانب بعضها البعض .
– اليوم سوف يتم إعطاء الهوية وتوزيع المهام، لقد أديتم عملاً جيداً بالوصول إلى هذه المرحلة، بإعتباركم أكثر دفعة تصلنا خلال ثلاث سنين متواصلة ..
بسمات متوزعة إنتشرت في وجيه الفتيان الصغار المصطفين، لكنها سرعان ما إختفت حينما ضرب المُعلم أو المسؤول كما ينادونه الطاولة بجانبه :
– لكن !
نظر إلى الأجساد المئة والثلاثون المتراصة التي تطالعه بعينين مليئتين بالخوف والرهبة والحماس لما ينتظرهم وقال بنبرة ساخرة :
– سنقيم مسابقة لإختيار خمسون منقباً فقط !
علت همهات الإحباط والتشكي من الأطفال المصطفين حماساً ليشاركو بالمهمة الأكثر إثارة في القرية بأكملها !
فكون الشخص منقباً فهذا يعني بأن عليه الخروج إلى السطح ومراقبة الأرض والبحث والتنقيب عن كل تلك العجائب التي لم تقرر رؤسهم الصغيرة ماهي بعد !
– طُلاب المبنى العشرون سيكونون منبقين بالتأكيد !
أتى صوت من أحد الصفوف الوسطى ، إلتفتت الأعناق لتشاهد الفتى الذي وقف متحدياً المعلم بشموخ :
– تدريبنا لم يتوقف يوماً واحداً، كما أنك ستحتاج إلى أشخاص ذوو بنية قوية لهذا العمل !
إبتسم المعلم وإتكئ على الطاولة بسخرية :
– وأنت لديك هذه المؤهلات ؟
– هه ! بالطبع لا ! إن خرجت من هذه الأرض الملعونة لن أعود إليها أبداً !
وبحركة رشيقة أمسك الفتى الصغير رقبة أحد الفتيان الواقفين خلفه مظهراً وجهه للمعلم الذي رفع حاجبيه تعجباً، فذلك الفتى كان من القلة الذين لم يتحركوا منذ أن بدأت الصفوف حتى للتشكي أو التنهد ضد قرار الخمسون مرشحاً ! فقد كان ببساطة واقفاً بثبات لينتظر مصير “هويته” وعمله القادم !
– تحتاج إلى ألواح رخام كهذه لتصنع دماك الغبية المتنقلة، وأنا لست منها للأسف هاهاهاها!
أصفرت وجوه الفتيان من حوله خوفاً من العقاب الذي سيحل بهذا الفتى الشجاع الوقح الذي يتكلم بما يفكر به دون هوادة واستخفاف شديدين بالمعلم أمامه، لكن المُعلم لم يبدِ ساكناً لتعليق الفتى وقال ببرود :
– طُلاب المبنى العشرون يتسلمون مهامهم في الوحدة الخامسة .
تفرقت جموع الأجساد ثم عادت بسرعة لتصطف كما كانت، بينما ثلاثون طفلاً في الحادية عشرة غادرو المكان نحو الوحدة الخامسة ” وحدة التقطيع” مما يعني الكثير من العمل والقليل من الراحة، الوحدة التي يتجنبها الجميع دوماً.
نظرات الراحة والقلق إختلطت بباقي الجمع، الكل سعيد لسقوط تلك المُهمة المُملة من قائمة مهام المستقبل المحتملة لهم، وقلق بأن تُغضب أحد تصرفاتهم المُعلم فيستثنيهم من مهمة التنقيب المُنتظرة .
– إذن الآن، سيتم توزيع باقي الهويات .

—-

– أووه ! قميصك يبدو كقنافذ متمرغة بالطين !
– قميصك يبدو وكأن الألوان هربت منه !
– أحمق ! هذا هو شعارنا، “أنهي كل شيء لتحصل على لا شيء”
ضحك “إثنان وأربعون” على تعليق صديقه ” صفر خمسه أربعه” ، فبعد اليوم لن يصبحا مجرد ولدين غير مُعرفين ومُحتقرين ! سيصبحان عاملين رسميين في المكان ! أحدهما مُنقب مُبتدئ والآخر في وحدة التقطيع ..
جلس الصديقان في ساحة المبنى الكبير الذي كان يجمعهما أثناء الصفوف الدراسية :
– أنت متهور ..
قال إثنان وأربعون وهو يحك الأرض بكعب قدمه بتوتر، مافعله صديقه قد يسبب مشكلة كبيرة أكبر من مجرد الإنتماء إلى وحدة مُجهدة تتطلب منك مايقارب 18 ساعة متواصله من العمل .
– لا بأس.
قال صديقه مُبتسماً بإبتسامه أقرب منها للبكاء الصامت :
– نحن سنموت على كُل حال، وأفضل أن أموت هنا على أن أُقتل هارباً ..
– لن يستطيع أحدٌ الإمساك بك إن هربت ..
– حسناً، هذه نظرية جميله ! فلتحرص على تحقيقها إذن !
تنهد “إثنان وأربعون” ووقف عائداً إلى الصف ليجمع أغرضة “عبارة عن دفتر وحقيبه بها غيار واحد”
– أحمق ..
– غبي رخامي ..

مضت الأيام الأربعه التالية بهدوء شديد، الطُلاب يرتبون وينظفون ويحزمون الأغراض، طلاب آخرون غادرو القرية ليعملو في قرى أخرى تواجه عجزاً شديداً في العمال لديها ، وآخرون ببساطة بدأو كمعلمين متدربين للطلاب الجدد .
بالنسبة للصديقين كانت الأيام الأربعة كإجازة طويله مريحه، ونظراً لقلة العمل المنوط بهما بفعله فقد كانا يتسللان دوماً إلى زقاق الحانات ليتمشيان أو يبحثان عن مغامرة طفولية أخرى .
– أوه إثنان وأربعون أنظر لذلك الرجل .
أشار “صفر – خمسه – أربعه” إلى منقب سمين يجلس على طرف طاولة مع أصحابه يدخنون .
– ستصبح مثله ! أضمن لك هذا !
ضربه إثنان وأربعون غاضباً :
– مُستحيل لن أتحول إلى غول قبيح !
أعاد ” نقطه دائره متجهه” -كما كان دائماً يدعو نفسه ساخراً – الضربة إلى صديقه وطرحه أرضاً :
– بل ستصبح كرة هلامية لزجة !
– وكأن ذلك حقيقة !
تبادل الصديقان معركة وهمية أكسبت كلاً منهما بعضاً من الكدمات في وجهيهما ..
– آآه سوف أشتاق لكيس تماريني الترابي !
قال “نقطة متجهة” لصديقه بإحباط مصطنع وأشار إليه قائلاً:
– أتسائل إن كُنت سأجد غبياً مفكراً مثلك غداً ! الأغبياء نادرون كما تعلم .. آآه ياللملل !
– لا تقلق حتى وإن حدثت كارثة ثالثة فلن ينجو إلا الأغبياء .
– هاه ! محق فسيكونون أغبى من أن يستوعبوا الموت نفسه هاهاهاها !
– لست مُضحكاً.
قال إثنان وأربعون بتجهم، صحيح أنهم أصدقاء مقربون، لكن يوم غد لن يتسطيعوا رؤية بعضهم البعض مُجدداً.
نظر نقطة متجهة إليه وتنهد :
– إبقى هُنا للحظة ..
ركض الصديق مسرعاً نحو حانة ” ورود تباع الشمس” وعاد بعد دقائق وهو يُمسك كيساً :
– خُذ .
– ماهذا ؟
دفع الكيس لصديقه وقال بإبتسامة مُرتبكة :
– حسناً، أنت أحمق وغبي وتواجه صعوبة في تكوين الصداقات وتكره الحديث كثيراً .. أكتشفت أنك ستكون وحيداً من دوني لذا …
فتح إثنان وأربعون الكيس ووجد دفتراً كبيراً كُتب في غلافه : ” مُذكرات الحمقاء” .
– حمقاء ؟!
ضحك نقطة متجه بشدة وأشار لصديقة :
– يبدو أن يدي أخطأتك لأحداهن هاهاهاها !
– أحمق أنا لست فتاة !
– فتاة أم لا، إعترف إنها حقيقتك هاهاها
وبدأت مُشاجرة إنتهت بسرعة حين دوت صافرة إنتهاء اليوم في الأُفق . تجمد الصديقان في مكانهما غير مستوعبين كيف أن رحلتهما المقصودة طالت كثيراً !
– أوه سيكتشفون تسللنا أسرعي !
– قلت لك أنا لستُ بفتاة !
ركض الصديقان مُسرعين، من حسن الحظ أنهما عادا قبل أن يُكتشف إختفاؤهما .
– حسناً، من الآن فصاعداً ستصبح منقباً، مُبارك ياصديقي.
– سأحرص على الإحتفاظ بهديتك الغبية، لاتمت بسرعة.
تصافح الصديقات بصمت وبقيا على حالهما عدة دقائق ..
هذه اللحظة هي آخر ذكرى يُمكن أن تجمعهما معاً، آخر مُغامرة لهما معاً، آخر قُتال يقوم على أسباب حمقاء ..
الآن هي لحظة الوداع لهما، كطفلين .. و كصديقين مُقربين ..

Posted via m.livejournal.com.

Advertisements

وما رأيك أنت؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s