قصص وخواطر .. ||

طِفلٌ يترقبُ القمر -الجزء الثاني-

.

عملي كمنقب يتطلب الكثير من السفر بين القرى، الكثير من البحث عن مصادر جديدة للطعام والماء، والكثير من الخروج إلى “الأرض”.
عِندما كُنت طفلاً، مرت فترة ظننتُ فيها ان الأرض تماماً كما وصفتها العجائز في حانة “الكأس المذهبة” : خضراء واسعة ومليئة بحيوانات يغطي أجسادها الشعر والفرو مجموعة في حظائر مربعة حولها اكياس التبن وبعض بقايا الأطعمة للدجاج حولها، كما أنها مصدر مهم للصوف الذي يُجز كل سنة تحت احتفال بهيج لينسجن الملابس والألحفة الملونة والمطرزة بأبهى الأشكال الملونة التي طُرزت من خيوطٍ غمست بأصباغ كيميائية او طبيعية كصبغ قشر البصل والفجل الأحمر .
كان أسوأ تخيل وصلت إليه هو أرض خضراء بمروج خالية من البيوت ومليئة بآثار القنابل التي تركت بقعاً قاحلة محروقة، إذ إن مخيلتي الصغيرة لم تكن تعرف مقدار الدمار الذي سببته تلك القنابل على المروج وكيف قلبوها صحراء ميته كما رأيت الآن !
أعترف أن ذلك الحلم لم يطل كثيراً حتى خلال طفولتي، فالعجائز كُن يتبعن حديثهن دائماً بعبارة :” كان هذا قبل الحرب” ويتبعنها بآهة طويله.
نحن جيل مابعد الحرب، أرضنا هي مانراه الآن ونعيش بداخله، هي مانسمعه ونحسه ونلمسه، لا جمال يضاهي شتلة برية نامية بخجل في كهف منزوٍ بأحد جبال “الأرض”، ولا حتى قصص العجائز عن جزر الأشجار والفاكهة تساوي جمال تلك الشتلة الخجلى !
بالنسبة لنا، فإن جمال أرضنا مرهون بمانراه فيها، ليس بماضيها المروي عنها.
في أول مهمة لي على سطح الأرض، وجدتُ شيئاً لم استطع تحديد هويته ملتصقاً بإحدى الصخور في الصحراء. لقد كانت مهمتنا هي إيجاد مواد أولية صالحة للإستثمار في مصانع القرى، تم تكليفي مع إثنين من رفاقي [سبعة وعشرون و خمسة وأنا إثنان وأربعون ] ، نعم نحن المنقبين عبارة عن أرقام متنقلة تفيد القرى وتنميها، مجرد أدوات لإستقرار حياة السكان وإستمرارها.
خمسة، أكثرنا خبرة، لذا فهو قائد المجموعة ، كانت الصحراء ملتفة بالصمت، مليئة بالرمال السوداء المتفحمة وبعض التلال البنية التي تتوزع بخجل هنا وهناك. الرياح شديدة وتعصف بمن أمامها بشدة، التراب يتسرب بإصرار داخل قناعي محاولاً الإلتصاق بعيني أو بفمي، بينما الرياح الهائجة تحجب الرؤية.
– من هنا .
قادنا خمسة إلى “النقطة”، وهي غرفة بنيت من الحجارة الصلبة لتكون محطات توقف للمنقبين المارين في المنطقة. النقاط متواجدة بكل مكان وصل إليه المنقبون، وإن حدث وأكتشفت بقعة جديدة لم يسعها منقب من قبل، فإن مهمة بناء نقطة جديدة يقع على عاتقك.
داخل النقطة وجدنا قنينة ماء نسيها منقب قبلنا كما يبدو، يوجد أيضاً مكتب به جهاز استقبال وحصير مخترق للنوم عليه يكفي لأربعة أشخاص، كما يوجد جهاز تنقية هواء فعال . خلعنا جميعاً أقنعتنا الواقية وأنزلنا حقائبنا. توجه خمسة ليبلغ تقريره لمركز المنقبين بينما انهمكنا في تنظيف الأقنعة من السخام والتراب الملتصق فيها .
– لكن الأرض بور قاحطة !
كان خمسة يصرخ بغضب، إرسال فريقه المتكرر إلى هذا المكان لم يجدِ أي نتيجة أبداً ! في الحقيقة لم يجد الفريق على مدار سنة كاملة أي دليل مفيد، إذاً فما فائدة التردد إلى هذه البقعة مرة بعد أخرى ؟! هذا مايقوله خمسة وبقية المنقبين ، لكن زعماء القبائل يظنون عكس ذلك، فالأرض البور ظاهرياً تحمل الكثير من المواد الأولية “ربما”، والمشكلة هي أننا لانبحث بطريقة مناسبة !
أنهى خمسة إتصاله وعاد قائلاً بأن الحفر سيتم بعد سبع ساعات وعلينا أن نستريح أو ننام إن أردنا.

حالما وصلنا إلى موقع العمل فهمت ماكان يقصده خمسة وزعماء القرى، فالأرض مليئة بالحصى والتلال البنية على غرار غيرها من المواقع. التنقيب بهذه الأرض سيقود إلى إحدى نتيجتين : الأول هو أن هذه الأرض هي صحراء بالأصل فلم يصلها تأثير الحرب كاملاً، أما ان تكون بقعة أصلحت نفسها وعادت إلى طبيعتها حتى بعد تأثير الحرب الشنيع عليها “أخيراً” .
كلنا نعلم أن الإحتمال الأول هو الأقوى. لكن رغبة خفية لتأكيد الإحتمال الآخر جعلتنا نكد في الحفر والحفر والجمع حتى نجد دليلاً واحداً على الأقل نبني آمالنا عليه.
بعدما تعبت من الحفر في منطقتي توجهت جنوباً نحو مجموعة صخورٍ لأرتاح قليلاً عليها، شكل تلك لصخور أثار فضولي وأعاد بعض ذكريات الطفولة الفضولية، كنت أنبش بيدي في التراب حتى أمسكتُ شيئاً لم أميز شكله !
إنه عامود خشبي شبه متآكل على شكل أسطوانة تنتهي بتسطح نصف دائري مكسور ومتآكلة أطرافه بشدة، الألوان المطلية على سطح الخشبة مُحيت بفعل الزمن ، لكن بإمكاني تمييز بقعاً من اللون البني المحروق الناتج من إمتزاج الأحمر بالأتربة والشمس الحارقة، حملت غنيمتي وذهبت لأخبر خمسة بها :
– لقد وجدت شيئاً غريباً.
ترك خمسة المعول ومد يده إلي صامتاً، أعطيته إكتشافي فرحاً ومتحمساً بنفس الوقت نظر خمسة إلى ما أعطيته، وبعد تقليبه عدة مرات :
– إنه لعبة إرمها.
– لعبة ؟
– نعم مضرب لكرة الطاولة، كثيراً مانجد مثل هذه المضارب هنا.
– …
نظرت إلى غنيمتي صامتاً ، ربما حزين لعدم أهميتها، ربما فرح بها ..
– وفقاً للخريطة يوجد هنا مصنع قريب على بعد عدة كيلومترات، ربما طار هذا المضرب ليصل إلى هنا ! غريب أنه لم يتآكل تماماً !
– أوه ..
تأوهت ببلاهة، هذه هيرحلتي الحقيقية الأولى كمنقب، وهذا كنزي الأول المكتشف، إني أملك مرآة للماضي ويطلب مني رميها ! هكذا ببساطة ؟
– حسناً ..
أخذت المضرب ووضعته بجانب حقيبتي ” لدي فكرة أفضل” هذا ماقلته لنفسي عائداً للحفر.
بعد عدة ساعات مضنية من العمل المرهق عدنا للنقطة، حالما إنتهينا من مهامنا الرسمية حتى أخرجت كنزي وبدأت بالحفر فيه.
– ماذا تنحت ؟
قال سبعة وعشرون وهو يوزع حصص الطعام بيننا مستفسراً.
– لا شيء ، مجرد قلادة خشبية، قد تجلب الحظ مستقبلاً …

Posted via Vita for iPhone.

Advertisements

One thought on “طِفلٌ يترقبُ القمر -الجزء الثاني-

وما رأيك أنت؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s