قصص وخواطر .. ||

أمير الصحـراء

. 

https://i2.wp.com/26.media.tumblr.com/tumblr_lm4cn5APMI1qfbt4oo1_500.jpg 

ما أجمل الأمل يداعب شعيرات نور الصباح ويغازلها كطفل خطى خطوته الاولى في عالم غامض بمشاعره الغضة الصافية …
للحظة ظننت أن كل السهول ممتدة أمامي تدعوني لإرتقاء صهوة أحلامي الجامحة ورؤيتها تعدو على ربيع حياتي !
أميري المسجون في الصحراء الذهبية لايزال متعجباً من صندوقه السحري وطعامه المتجدد، لن ألومه فهو لـم يرى قط مشهداً إنسياً أكثر منهما و ياويلاه على عزلته الإجبارية تلك، أترى تنتهي مخزون سعاداته ودهشته قبل ان ينفد مخزون عُمره ؟
سألت أميري مرة عن سجنه، وأين يظنه سُجن، فأجابني بنبرة إلى الذهول هي أقرب :
أهو سجن نُقلت إليه، إلى هذا الصحراء لأدفن وحيداً أم أن تلك الصحراء سُجنت وعهد إلي بِحراستها ؟ .. فكل ماحولي ينبئني بغير ما أعرف، وما أعرفه قليل، فكيف لي أن أهتدي إلى مالم أعرف من الأصل ؟
وهُنا سكت، ململمة جناحي بأسى بالغ لشخصه، فلا أنا بالحيوان الأليف الذي قد يؤنسه ، ولست بالإنسان الذي قد يخالطه وينهي وحدته ،فطرت بعيداً ثانية، إلى أفق الصحراء الا منتهي عودة لصغاري ..

***

عُدت ذات أصيل حار إلى سجن أميري، كانت الرمال الذهبية تشع بتوهج شديد لتحرق كل مايعكس جمالها المنساب على مد البصر
“إنه وقت الغداء”حدثتني نفسي ناظرة إلى سفرة ممتدة بأطعمة تُبهج القلب وتنعشه، تلك السفرة التي خرجت مما لاأدري والتي لا يعلم أميري من أمر نبوعها من الأرض  شيئاً !
إقتربت إلى خيمته واستويت على مكاني بجانب أحد جذوع النخل المرمية بطرفها، نقرت على الخشبة عدة مرات لأنبهه إلى سفرته النابعة كهدية من جنية عصى عن إدراكها بصر أو الإحساس بها يدز  نهض أميري بتثاقل ، إذ إنه كما يبدو لي لـم يعتد بعد حر تلك الشمس التي ترسل أشواقها لعنات متتالية على من تقع عيناها عليه تحت موجة غضبها اليومي..
تململ أميري وهو يغسل يدة، وأستوى على الأرض مستوياً ناظراً لما أمامه من مائدة عامرة، هو كما عهدته، لايأكل إلا أقل القليل كحمامة خافت أن تنهي الطبق الذي أمامها تاركة صغارها في جوع وفاقة آملة أن تكفي تلك اللقيمات في أن تحفظ حياتها لحين وجبة قادمة ..
كان وقت تقديم الطعام العجيب يتم بطريقة أعجب وأغرب من أمر الطعام نفسه !
فتلك الموائد المتتالية كانت تشق الأرض شقاً ! لانرى لها [ لا أميري ولا أنا التي أبحرت المنطقة بحثاً عن منفذ تلك الأطباق العجيبة دون جدوى]  أي مصدر أو منفذ !
فخلال الأيام اللطيفة الجو الوادعة في شوقها، يجلس أميري بطرف خيمته متلحفاً بقطعة قماش يظن أنها ستحجبه عن أعين الناظرين
وينتظر بتأنٍ وتؤدة ليرى مصدر طعامه اليومي، أهو حقيقة أم خيال أستبد بجائع فظن الثوانٍ ساعات والدقائق أياماً وشرع في موجات جوعه وموته البطيء أن يتخيل ضروباً من أصناف الطعام المتنوعة اللذيذة ترف إليه كلما طاب لها المجيء لاتعرف باباً أو كوة، بل تُخلق من مكانها خلقا ، لكن وا أسفاه على كبد الحقيقة الذي لـم يقوى يوماً – ولن يقدر على ذلك كما بدا لي من أن يذعن له —
فلا هو بسراب زائل ولا طعامة بحلم مغشوش، كل هذا إنما هو الحقيقة بعينها، بكل أحساها ومرورتها وغرائبها وإنما طعامه ذاك لـم يكن لينفذ إلى حلقه إلا إذا كان نائماً أو ساهياً عن مائدته الحريرية الصفراء الفارغة التي هي بالحقيقة مجرد جذع شجرة محفور بدقة في قلبه ليحوي مائدته كلها، بطعامها وشرابها.
تخرج من العدم لتشبع جوعه وتختفي إلى العدم لتلملم نفسها ولتعد بوجبة أخرى من جديد!
جلس أميري ممعنٌ النظر لطعامه، عاجباً أشد العجب لضروب الأصناف التي لايهتدي إلى تسميتها سبيلاً وبلحظة غفوته أو أحلامه الممتنعة عن التصديق نظر إلي بنظرة لـم أعرف كهنها إلى هذه اللحظة، بعيونة الزرقاء الملتمعة كحجر لازوردي تتخبطه أمواج
المحيط مزيلة كل شائبة وكل ندم من على محياهما، بشعره البني المجعد ذو الربطة الحمراء الداكنة المائلة للسواد نتيجة صراعها الأبدي مع الشمس الهائجة والرمال العنيدة، بتلك الجبهة الكبيرة التي جعلت خصلاً متحررة من شعره تلعب بحرية ووداعة لتصل بعض الخصل الجريئة إلى أنفه الصغير المكور كحبة عنب حمراء! بينما فمه الطويل ذو الشفائف الصغيرة الشبه متوردة ينم عن ابتسامة شكر وصداقة ..
نظر إلي بوجهه الملفوح بالشوق والسعادة بعينيه البراقتين الممتنتين :
– شكراً أيها الطائر.
هذا ماقاله ثغره البهي، ظاناً بأني تلك الجنية التي تحمل له طعامه صباح مساء، مسبغاً علي لقب لـم أحلم يوماً بتقلده ” أيها الصديق الوفي ” هذا ماردده، وهذا ما نفذ إلى روحي كسهم ساقط من أعالي جنة لاتعرف للحزن رجاء.
بكلماته القليلة تلك، أسبغ علي ما جعلني أعقد العزم على عدم مفارقته طوال الحياة، حياتي القصيرة، لأحرس وأمتع ناظري بأميري اللطيف المسجون !

***

يبدو أن أميري يعشق الصباحات المشرقة بالسعادة، هاهو الآن يقف أمامي ناظراً إلى أطراف السماوات محاولاً رسم حدوداً لها، كما أن شوق الشمس ولوعتها خفا بشدة هذا الصباح فكفكت دموعها اللؤلؤية بوشاح أحمر مطرز بخيوط الذهب والأزرق الموشى بأطرافة، بإبتسامتها الحانية سُعدنا، و بهدوء طلتها بُهر أميري بها وزاده إليها حباً ولطفا
-“ألا ترى ياصديقي تلك اللؤلؤة المشعة الجميلة ” –
ذلك بأنه لا يعرف إسم الشمس بعد، فحياؤه لطالما منعه من التقدم وسؤالها عن نفسها – قال جملته تلك إلي مسمراً ناظريه إلى وشاحها الخفيف الآخذ بالسقوط من كتفيها العاريتين ..
– ” إنها جميلة، وإني لأتمنى أن أتمكن من التحدث إليها ومواساتها يوماً ما ”
قال ذلك بإبتسامته العذبة وطفق عائداً إلى خيمته ليحتمي من حر انتصاب الشمس في كبد السماء.

لعلي أسرفت في وصف أميري ومائدته الحريرية الصفراء أكثر مما ينبغي، فأميري لـم يكن شرهاً كسولاً يقعد طوال الضحى يتشكى ويتفكر ببلاهة. ذاك لأنه يملك أيضاً صندوقاً خشبياً ذو أطراف مشغولة باليد وزخارف منحوتة في أطراف كل لوحة منه، فبالغطاء تعيش يمامة مع أطفالها في عش من أغصان الشجر وارفة بظلاله، وصيصانها الثلاثة يزقزون فرحين مبتهجين بما في منقار أمهم من طعام
وفي اللوح الآخر حيث يقبع القفل يوجد لوحة أخرى لاتقل بهجة، فهاهنا توجد بحيرة ترنو إلى أطرافها زهور الزنبق الطافية منتثرة هنا وهناك وبينها يوجد بجعتين يافعتين، يتراءى للناظر مقدار حبهما لبعضهما البعض ومقدار السعادة التي يعيشانها، فهاهو الذكر يحني برأسه في لطف حتى يمكن لأنثى البجع ان تطوق رقبته بجناحها ضامة إياه بحرارة وشوق، وفوقهما تماما تبدو خطوط بسيطة خفيفة من ضباب خفيف يعمل كحجاب ليحمي ثمرة حبهما عن الأعين المتطفلة أبد الدهر، تلك الخطوط تتمركز حول مركز القفل فتحوم حوله وتعطي أطرافه الذهبية جمالاً فوق جمالها وإشراقاً على إشراقها.
بينما في اللوحين المحاذيين فتوجد زهور يانعة متفتحه بأبهى نظارة يمكن لها أن تبدية، فقطرات الندى خجلى تتناثر هُنا وهناك
مع تطعيمات بلون ذهبي صارخ في أطراف بتلات الزهرة الوسطى – إذ أن الزهرات عددها ثلاث فقط – وهذا اللون زادها جمالاً على جمال ، وبهاء على بهاء.
أما في اللوح الأخير المقابل للوح القفل فيوجد رسمة “وليس نحت كباقي الألواح” :
فإصطبغ اللوح أولاً بلون أبيض نضر ثم تعاقبت عليه الفرشاة بلون أصفر بهيج أعطاها الحياة ثم ضربات خفيفة رقيقة بالأخضر الزاني الذي أزهاها وأنضرها فوقه مسحات متناغمة من ألوان الحياة المدهشة، فالأحمر فالأزرق فالبنفسجي ودرجات مابين هذه الألوان مجتمعة متحدة حيناً ومنفصلة حيناً آخر، فتكونت صورة لطيفة عن سهل أخضر تشرق عليه الشمس بساعات الصباح الأولى حيث تستيقظ الشمس بهية من مخدعها الأصيل فرحة نظرة الخدود كعذراء في خدرها.
وهذا الصندوق البهيّ عبارة عن أعجوبة لا تقل عن أعجوبة مائدته بشيء، فهو فارغ أبد الدهر، ممتلئ طوال الوقت، يُخرج مابجعبته إمتثالاً لأهواء ورغبات أميري الشاب، فتارة هو صندوق موسيقى ينضح بأعذب الألحان، وتارة أخرى هو صندوق لباس يحوي أجمل الأقمشة وأزهاها، وتارة أخرى هو صندوق كتب يجاهد أميري لفهم فحواها  ..

وما دعاني إلى ذكر هذا الصندوق العجيب هو حادثة حدثت في آخر زيارة له ، وكانت سبباً كبيراً في تغير أميري وتبدل حاله !
وبما أن شمس الأصيل أفلت وانبلجت الظلمات بين مصابيح الغروب، فسوف أأُجل حديثي هذا لكرة أخرى..

***

أتتسائلون الآن عن صمتي الطويل وعدم إكمالي الحديث؟
حسناً الأمر يعود إلى عدم زيارتي لأميري منذُ مدة، كما أن الجو لم يكن ليساعدني على ذلك أصلاً ! فالصحراء قاسية بتلك العواصف الترابية الشديدة، العاصفة الأخيرة  على سبيل المثال إستمرت ثلاثة أيام بلياليها ولم أستطع من خلالها رؤية أميري أو التأكد من أخباره خلالها .
لكني عدتُ اليوم، وهاهو أمامي ينفض الغبار من على أطراف خيمته ويفرغ التراب من على مائدته ويحاول بجهد أن ينهي عمله قبل حلول موعد الغداء.
– أوه لقد رجعت مجدداً ياصديقي العزيز”
قال أميري ذلك  بإبتسامة مشوبة بمشاعر مضطربه ..
– “ظننت أنك لن تزورني مجدداً بعدما حدث، أنت حقاً صديق رائع”
قال جملته الأخيرة بحزن وأختفى صوته بين حروفها، نعم إنه حزين ، وحزين جداً كما لم أره من قبل .. فما حدث قبل عدة أيام كان محبطاً له. أو لنقل محبطا لآماله التي نسجها عن نفسه الحقيقية!
فقبل تلك العاصفة الهوجاء بيوم كان أميري جالسٌ كالعادة  خلال السَحَرِ أمام صندوقه السحري يرقب ماقد يخرج منه كالعادة، وحالما تعامد شعاع نورٍ صغيرٍ على شق الخيمة مرسلاً شعاعاً ذهبياً خجولاً فوق القفل حتى فُتح الصندوق .. وعلى غير المتوقع فُتح من تلقاء نفسه !
كان 
أميري مذهولاً جداً فلم يحرك ساكناً،  مضت عدة دقائق على هذا الحال – أو ظننتها كذلك –  قبل أن يتقدم أميري ويلقي نظرة للداخل وياللعجب !!
إنه مخلوق مجنح نائم بسلام، تلك الأجنحة الشبه شفافة ذات ألوان قوس المطر والجسد الصغير كحبة الفاصولياء  والوجه الطويل ذي الأذان الممتدة كأوراق الشجر !
– إنها جنية ! أنا أعرفها ”
هتف أميري بسعادة بالغة.لقد كان واثقاً من أنه رأى جنية أشبه بهذه في مكان ما من حياته، لكنه لايزال لايتذكر أين ومتى
.

جلس أميري مقابل الصندوق وهو يرقب بعينين فرحتين  إستيقاظها الهادئ .
فردت تلك المخلوقة الصغيره جناحاً، ثم جناحها الآخر بتململ
، عركت عينيها ومطت يدها بتغنج، بعدها فتحت عينيها الذهبيتين البراقتين ونظرت حولها:
– “أنت هُنا إذن” تكلمت بصوتها الناعس وهي تنظر إلى أميري بنظرة فاحصة
عدلت من جلستها ونفضت أجنحتها بإهتمام بالغ مما قد علق بها من غبار الصندوق، مطت قدميها ورفرفت بجناحيها حتى حلقت أمام عيني أميري المتلهف. تنهدت الجنية للحظة وأستوت فوق غطاء الصندوق جالسة.
-أظن أن سيدتي أرسلتني لأخبرك أنت أيضاً”
أميري  بدا وكأنه من عالم آخر كان سارحاً تماما وهو ينظر إلى الجنية برغبة الملهوف لشربة ماء تغنيه عن موتٍ مُحتم .. وما إن قالت جملتها تلك حتى انتفض وعدل جلسته مستمعاً مصغي أذنيه قربها لئلا يفوت أصغر حرف قد تنطق به !
بهذة الوضعية حكت الجنية الصغيره بعضاً من قصة أميري له. أخبرته عن سبب تواجده هُنا ولم هو لا يتذكر شيئاً عن نفسه:
لقد كان أميري رجلاً تاجراً كثير المال، وقد سمع -كما سمع الكثيرون غيره- عن إبنة ملك الملاد ووصولها إلى سن الزواج، ورغبة أبيها بمتقدم مؤهل للزواج منها .
وبما أن شروط الزواج سوف تلقى بالقصر الملكي، فإن كثيراً من الرجال أعدو عدتهم ومالهم للتقدم إليها .. ولا نستثني من ذلك أمراء الدول الأخرى أيضاً !
تقدم أميري لخطبة أميرة البلاد، وجمع لها من الجواهر والنفائس ماتطمح إليه كل فتاة وتحلم به .. لكن في يوم تجمع الخُطاب وإلقاء شروط الزواج، هرع رجلٌ إلى داخل إحدى الغرف بعدما إسترق السمع لبعض الجواري ومعرفته بتواجد الأميرة فيها، وأعترض خلوتها مع وصيفاتها أثناء إرتدائها ملابسها، كان الأمر مفاجئاً جداً ووقحاً أيضاً !
أثار عمله هذا غضبها الشديد منه ومن المجموعة التي أتى فيها – إذ إن كل خمسة رجال جُمعوا مع بعضهم للقيا الأميرة وإجتياز إمتحانها –
لكن فعلة ذلك الرجل أغضبتها إلى أن قررت أن تحبسه وكل من يكون قد تواطئ معه – وهم مجموعته – في سجون البلاد الخمسة المتفرقة .
إعترض أميري على هذا الحكم الظالم طالباً العدل وموضحاً صدق نيته وبرائتها من ذلك الرجل، وعرض هداياه ونفائسه ليطيب خاطرها. لكن غضبها كان أكبر من أن تقبل تلك الهدايا الرخيصة ! التي أعتبرتها كرشوة للتملص من جريمته , فأمرت بأن يسجن كل الخمسة رجال في سجون المملكة السحرية الخمس المستحيل الهروب منها !
سجن الرمال، سجن السحاب، سجن أعماق المحيط، سجن الجبال الحجرية، وسجن اعماق الأرض .
وبالطبع كما نعلم، فإن أميري سُجن في سجن الرمال وسيبقى في هذا المكان حتى ترضى الأميرة  عنه أو تتوفاه المنية !
أستمع أميري للقصة مطرقاً مفكراً.. غلب عليه الحزن والضيق وهو يسمع كل تفصيل يُذكر
– إذاً هذا ماكان عليه الأمر”
قال بعد فترة صمت طويلة حزينة ..
– أنا سعيد لقولك ذلك أيتها الجنية الطيبة، إعتذري لأميرتك عندما ترينها من جديد”
رفرفت الجنية جناحيها وأحنت رأسها إحتراماً لأميري، وعادت بهدوء إلى الصندوق الذي خرجت منه …. وأختفت ! 
بعد ذهاب الجنية ذهبتُ أيضاً،  لم أكن أرغب برؤيته حزيناً هكذا،  ولم يكن بوسعي تطييب خاطرة بأي شيء، فما بوسع أنثى الصقر أن تفعل لهذا البشري ؟ مابوسعي أن أفعل له ؟ لاشيء !
لذا آثرت أن أعطيه مساحته الخاصة ليحزن كما يشاء، فلا أنا التي سأواسية ولاحق لي بتضييق عالمه عليه أكثر وأكثر ، فطرت، بعيداً جداً كما فعلت في أول لقاء لنا …

***

لقد مرت عدة شهور على آخر لقاء جمع بيننا ، وعندما عدت ورأيت السعادة طافية على محياة من جديد إرتحت وآثرت البقاء قليلاً لجانبه ، كان حديثه لي بسطياً كالعادة ..
لكن، كما لمست من نبرة صوته فيبدو أنه مازال حزيناً لحقيقة ماجرى، لمعرفة نفسه التي كان يتوق لمعرفتها، إذ إنها لم تكن مشرقة كما كان يبغي .. وبقائه هُنا لم يكن لحراسة الأرض الذهبية، بل ليبني نعشه فيها .. !
– قلقة ؟
نظر أميري إلي بإبتسامته المعهودة وهو يحمل الصندوق العجيب بين يديه:
– لا تقلقي، لن أسمح لصديقي الوحيد بأن يشعر بالوحدة أبداً.
وضع الصندوق بجانب مائدته وأتكى على طرف الخيمة ،
– هكذا ”
نظرتُ إلى أميري متعجبة، فما يبغي من نقل الصندوق الخشبي والمائدة العجيبة بالقرب من مدخل الخيمة هكذا ؟
– ألا يبدو التغيير منعشاً ؟ أشعر وكأني في بيتي الآن !
قال أميري ضاحكاً وهو يُخرج كأس ماء مُثلج من مائدته :
– حتى إن المائدة أصبحت تثطيعني أيضاً ..
جلس أميري على سفرة من قماش أحمر طُرزت أطرافه بورود بيضاء ذات قلوب صفراء لامعة، سرح في الأفق البعيد ، ناظراً إلى وشاح الشمس الخجلى يلتف حول جيدها بثبات كفتاة عذراء تختبئ من نظرات محبوبها، خجلة وسعيدة بآن معاً ..
– أُحب الحياة هُنا ”
قال أميري دون أن يغض الطرف عن محبوبته :
– حتى وإن كان وجودي لأموت، فسأموت سعيداً
نظرت نحو أميري داهشة، فهو إذن قد فهم المغزى من نسيانه بهذا المكان، فهم المغزى وتذكر كُل شيء …

—-
إنتهى

Advertisements

وما رأيك أنت؟

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s